الشريف المرتضى
139
الذخيرة في علم الكلام
وأما تقديم الطعام الذي جعل عمدة في هذه المسألة فنحن نعلم أن أحدنا إذا كان غرضه أن يشبع بعض الجياع ، وعلم أو ظن أنه إن قدم إليه طعاما مخصوصا لم يتناول منه « 1 » شيئا وان كان لو تناول لشبع به ، وفرضنا أن هناك طعاما آخر لا يشبع لكنه يمسك الرمق ويثبت معه الحياة ، وعلم أنّه إن قدّمه إليه بدلا من الأول تناول منه وأمسك رمقه ، فإنه لا يحسن منه أن يقدم الطعام المشبع وهو يعلم أنه لا يتناوله ولا يتم فيه غرضه ، ويعدل عن الثاني الذي يعلم أنه يتناوله ويمسك رمقه . ولا يقبل منه الاعتذار بأن غرضي الشبع . وهذا لا يتم في الطعام الذي لا يتناول دون الذي يتناول ، لأن « 2 » العقلاء لا يقبلون هذا العذر ويقولون له : الطعام الثاني وان لم يكن فيه كل غرضك ففيه شطره إذا كثر وإذا عدلت إلى تقديم طعام من جنسه للشبع وأنت تعلم أنه لا يتناول كنت عابثا مقبّحا وناقضا للغرض . أن قيل في الموضع المختلف فيه : إنه نقض للغرض وقد أجزتم كلكم معشر أصحاب أبي هاشم بلا خلاف منه ولا منكم ، أن تكليف اللّه تعالى الطاعة التي يعلم أن المكلف يعصي فيها ويعدل عن تكليفه ، للطاعة التي يعلم أنه يطيع فيها إذا علم أن ثواب ما يعصى فيه أوفر ، وكان غرضه التعريض لذلك القدر الوافر من الثواب . وهذا نظير من اشكال في قبحه ، من المثل بتقديم الطعام المشبع والعدول عن الذي يمسك الرمق . فان قيل : أخذنا له نفع وسرور في بلوغ غرضه ويلحقه غمّ وضرر بفوت غرضه ، فلهذا استقبح ما ذكرناه . قلنا : وعليكم مثل هذا في الاستشهاد بتقديم الطعام الذي لا يتناول والعدول عما يتناول ، فلا تجعلوا ذلك أصلا لتكليف اللّه تعالى الذي لا يلحقه
--> ( 1 ) في ه « فيه » . ( 2 ) في النسختين « لا العقلاء » .